الشيخ محمد رشيد رضا

334

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 23 ) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * * * لما كان الجواب عن اقتراحهم الآية الكونية للدلالة على النبوة يتضمن بمعونة ما يفصله من الآيات ان أولئك المشركين المعاندين لا يقتنعون بالآيات ، وانهم إذا رأوها بأعينهم يكابرون حسهم ولا يؤمنون ، ضرب اللّه تعالى مثلا له في آياته الكونية الدالة على وحدانيته في أفعاله وحكمه فيها وما لهؤلاء المشركين المعاندين من المكر فيها وكونها لا تزيدهم إلا ضلالا فقال وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ هذه الشرطية منتظمة مع أختيها في الآيتين 12 و 15 في نسق واحد ، والذوق في أصل اللغة إدراك الطعم بالفم ، والمدرك له عصب خاص في اللسان ، واستعمل مجازا في إدراك غيره من الملائمات كالرحمة والنعمة ، والمؤلمات كالعذاب والنقمة ، والضراء الحالة من الضر المقابل للنفع ، ويقابلها السراء من السرور ، أي وإذا كشفنا ضراء مسّ الناس ألهمها ، برحمة منا أذقناهم لذتها على أتمها ، لان الشعور بها عقب زوال ضدها يكون أتم وأكمل إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا إذا هذه تسمى الفجائية والجملة جواب للشرط أي ما كان منهم إلا انهم بادروا إلى المكر ، وأسرعوا بالمفاجأة به في مقام الشكر ، فإذا كانت الرحمة مطرا أحيا الأرض ، وأنبت الزرع ، ودربه الضرع ، بعد جدب وقحط أهلك الحرث والنسل ، قالوا مطرنا بالانواء ، وإذا كانت نجاة من هلكة وأعوزتهم أسبابها ، عللوها بالمصادفات ، وإذا كان سببها دعاء نبيهم أنكروا